فصل: ثم دخلت سنة ثلاث وأربعمائة

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم **


 ثم دخلت سنة ثلاث وأربعمائة

فمن الحوادث فيها‏:‏ أنه قلد الرضي أبو الحسن الموسوي يوم الجمعة السادس عشر من المحرم نقابة الطالبيين في سائر الممالك وورد له عهد بذلك من حضرة بهاء الدولة وقرئ في دار فخر الملك بحضرته بعد أن جمع الأكابر من الأشراف والقضاة والعلماء والجند وخلعت عليه خلعة سوداء وهو أول طالبي خلع عليه السواد‏.‏

وفي يوم الأربعاء سادس صفر‏:‏ خرج فخر الملك إلى بثق اليهودي بالنهروان فعمل فيه حتى أحكمه وأخذ بيده باقة قصب فطرحها فوافقه الناس وحملوا التراب على رؤسهم ووقع في بعض الجسور والفوارات رجلان من السوادية فطرح التراب والقصب عليهما فهلكا وبات فخر الملك ساهرًا ليلته قائمًا على رجله والرجال يعملون حتى ثبت السكر ثم رتب العمال في كل رستاق وعمر البلاد فارتفع في تلك السنة بحق السلطان بضعة عشر ألف كر وخمسون ألف دينار‏.‏

وفي هذا الشهر‏:‏ ورد الخبر على فخر الملك من الكوفة بأن أبا فليتة ابن القوي سبق الحاج إلى واقصة في ستمائة رجل فنزح الماء في مصانع البرمكي والريان وغورها وطرح في الآبار الحنظل وأقام يراصد ورودهم فلما وردوا العقبة في يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة خلت من صفر اعتقلهم هناك ومنعهم الاجتياز وطالبهم بخمسين ألف دينار فامتنعوا من تقرير أمره على شيء وضعفوا عن الصبر وبلغ منهم العطش فهجم عليهم فلم يكن عندهم دفع ولا منع فاحتوى على الجمال والأحمال والأموال فهلك من الناس الكثير وقيل‏:‏ هلك خمسة عشر ألف إنسان ولم يفلت إلا العدد اليسير وأفلت أبو الحارث بن عمر العلوي وهو أميرهم في نفر من الكبار على أسوأ حال وفي آخر رمق خلص من خلص بالتخفير من العرب وركوب الغرر في المشي على القدم وكان فخر الملك حينئذ نقيمًا على سد الشق فورد عليه من هذا الأمر أعظم مورد وكاتب عامل الكوفة بأن يحسن إلى من سلم ويعينهم وكاتب علي بن مزيد وأمره أن يطلب العرب الذين فعلوا هذا ويوقع بهم بما يشفي الصدر منهم وندب من يخرج لمعاونته فسار ابن مزيد فلحق القوم في البرية وقد قاربوا البصرة فأوقع بهم وقتل الكثير منهم وأسر ابن القوي أبا فليتة والاشتر وأربعة عشر رجلًا من وجوه بني خفاجة ووجد الأحمال والأموال قد تمزقت وأخذ كل فريق من ذلك الجمع طرفًا فانتزع ما أمكنه انتزاعه وعاد إلى الكوفة وبعث بالأسراء إلى بغداد فشهروا وأودعوا الحبس وأجيع منهم جماعة وأطعموا المالح وتركوا على دجلة حتى شاهدوا الماء حسرة وماتوا عطشًا هناك وأوقع أبو الحسن بن مزيد بخفاجة بعد سنين فأفلت من أسروه من الحاج وكانوا قد جعلوهم رعاة لأغنامهم فعادوا وقد قسمت تركاتهم وتزوجت نساؤهم‏.‏

وفي ليلة الأربعاء لثلاث بقين من صفر وقت العشاء انقض كوكب كبير الجرم عن يمنة القبلة وملأ الأرض ضوؤه واستعظم الناس ما رأوه منه‏.‏

وفي شعبان وقعت بالكوفة صاعقة في أثناء رعد وبرق فسقطت على حائط فرمت به وفي رمضان انقض كوكب من المشرق إلى المغرب غلب ضوؤه ضوء القمر وتقطع قطعًا وبقي ساعة طويلة‏.‏

وفي شوال توفيت بنت أبي نوح الأهوازي الطبيب زوجة أبي نصر بن إسرائيل كاتب المناصح أبي الهيجاء فأخرجت جنازتها نهارًا ومعها النوائح والطبول والزمور والرهبان والصلبان والشموع فقام رجل من الهاشميين فأنكر ذلك ورجم الجنازة فوثب أحد غلمان المناصح بالهاشمي فضربه بدبوس على رأسه فشجه فسال دمه وهرب النصارى بالجنازة إلى بيعة دار الروم فتبعهم المسلمون ونهبوا البيعة وأكثر دور النصارى المجاورة لها وعاد ابن إسرائيل إلى داره فهجموا عليه فهرب منهم وأخرج ابن إسرائيل مستخفيًا حتى أوصل إلى دار المناصح وثارت الفتنة بين العامة وغلمان المناصح وزادت ورفعت المصاحف في الأسواق وغلقت أبواب المساجد وقصد الناس دار الخليفة على سبيل الاستنفار وركب ذو النجادين أبو غالب إلى دار المناصح فأقام بها‏.‏

ووردت رسالة الخليفة إلى المناصح بإنكار ما جرى وتعظيم الأمر فيه وبالتماس ابن إسرائيل وتسليمه فامتنع المناصح من ذلك فغاظ الخليفة امتناعه وتقدم بإصلاح الطيار للخروج عن البلد وجمع الهاشميين إلى داره‏.‏

واجتمعت العوام في يوم الجمعة وقصدوا دار المناصح ودفع غلمانه فقتل رجل ذكر أنه علوي فزادت الشناعة وامتنع الناس من صلاة الجمعة وظفرت العامة بقوم من النصارى فقتلوهم وترددت الرسائل إلى المناصح إلى أن بذل حمل ابن إسرائيل إلى دار الخلافة فكف العامة عن ذلك وألزم أهل الذمة الغيار ثم أفرج عن ابن إسرائيل في ذي القعدة‏.‏

وفي ذي القعدة‏:‏ بعث يمين الدولة أبو القاسم محمود إلى حضرة الخليفة كتابًا ورد إليه من الحاكم صاحب مصر يدعوه إلى طاعته والدخول في بيعته وقد خرقه وبصق في وسطه‏.‏

وفي هذه السنة‏:‏ قرئ عهد أبي نصر بن مروان الكردي على آمد وميا فارقين وديار بكر وخلع وفيها ورد حاج خراسان ووقف الأمر في خروجهم إلى مكة لفساد في الطريق وغيبة فخر الملك فانصرفوا وبطل الحج من خراسان والعراق‏.‏

وفيها‏:‏ خلع على أبي الحسن علي بن مزيد وهو أول من تقدم من أهل بيته‏.‏

 ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

أحمد بن علي أبو الحسن البتي كان يكتب للقادر عنه مقامه بالبطيحة ولما وصلته البيعة كتب عنه إلى بهاء الدولة وكان البتي حافظًا للقرآن تاليًا له مليح المذاكرة بالأخبار والآداب عجيب النادرة ظريف التماجن انحدر مع الرضي والمرتضى وابن أبي الريان وجماعة من الأكابر لاستقبال بعض الملوك فخرج عليهم اللصوص ورموهم بالحذافات وجعلوا يقولون‏:‏ ادخلوا يا أزواج القحاب فقال البتي‏:‏ ما خرج هؤلاء علينا إلا بعين قالوا‏:‏ ومن أين علمت قال‏:‏ وإلا فمن أين علموا أننا أزواج قحاب‏.‏

وكان البتي صاحب الخبر والبريد في الديوان القادري توفي في شعبان هذه السنة‏.‏

إسماعيل بن عمر بن محمد بن إبراهيم كان من ولد جرير بن عبد الله وكان يسكن باب الأزج وتقلد النظر في الحكم هناك وحدث عن أبي بكر الشافعي وكان ثقة‏.‏

توفي في ذي القعدة من هذه السنة ودفن بباب الأزج‏.‏

إسماعيل بن الحسن بن عبد الله بن الهيثم الصرصري من أهل صرصر سمع الحسين بن إسماعيل المحاملي وأبا العباس بن عقدة وغيرهما‏.‏

روى عنه البرقاني وقال‏:‏ هو ثقة‏.‏

وتوفي ببغداد في جمادى الآخرة من هذه السنة وصلى عليه أبو حامد الاسفرائيني في مشهد سوق الطعام وحمل إلى صرصر‏.‏

الحسن بن حامد بن علي بن مروان أبو عبد الله الوراق الحنبلي كان مدرس أصحاب أحمد وفقيههم في زمانه وله المصنفات الكبار منها‏:‏ كتاب الجامع نحو أربعمائة جزء يشتمل على اختلاف الفقهاء وله مصنفات في أصول الدين والفقه وهو شيخ القاضي أبي يعلى ابن الفراء وكان معظمًا في النفوس مقدمًا عند السلطان والعامة وحدث عن أبي بكر الشافعي وابن مالك القطيعي وغيرهما‏:‏ وكان ينسخ بأجرة ويتقوت بذلك وخرج في هذه السنة إلى مكة فجرى من العرب ما قد ذكرناه فاستند حجر فجاءه رجل بقليل من ماء وقد أشفى على التلف فقال‏:‏ من أين هذا فقال‏:‏ ما هذا وقته فقال‏:‏ بلى هذا وقته عند لقاء الله تعالى فتوفي بقرب واقصة‏.‏

الحسين بن الحسن بن محمد أبو عبد الله الحليمي ولد بجرجان وحمل إلى بخارى وكتب الحديث وتفقه وصار رئيس المحدثين ببخارى وتولى القضاء وتوفي في هذه السنة‏.‏

فيروز أبو نصر الملقب بهاء الدولة‏:‏ هو الذي قبض على الطائع جمع من الأموال ما لم يجمعه أحد من بني بويه وكان يبخل بالدرهم الواحد ويؤثر المصادرات وتوفي بأرجان في جمادى الآخرة من هذه السنة وكانت إمارته أربعًا وعشرين سنة وثلاثة أيام وعمره اثنتين وأربعين سنة وستة أشهر وعشرين يومًا وكان مرضه الصرع وحمل إلى الكوفة فدفن بالمشهد‏.‏

قابوس بن وشمكير‏:‏ كان أصحابه قد تغيروا عليه حين سطا بهم وترك الرفق وقتل خواصه فاجتمع جماعة منهم إلى ابنه منوجهر وأعلموه أنهم قد عزموا على قتل قابوس وأنه إن لم يقبض عليه قرنوه به فقبض عليه ورقاه القلعة ومنعه ما يتدثر به في شدة البرد فهلك وكان قد حكم على نفسه في النجوم أن منيته على يد ولده فأبعد ولده دارًا لما كان يرى من عقوقه فبعد وقرب منوجهر لما كان ير من طاعته وكانت منيته بسببه‏.‏

ومن شعر قابوس‏:‏

خطرات ذكرك تسثير مودتي ** فأحس منها في الفؤاد دبيبًا

لا عضو لي إلا وفيه صبابة ** فكأن أعضاي خلقن قلوبًا

محمد بن محمد بن عمر أبو الحارث العلوي كانت إليه نقابة العلويين بالكوفة وكان إليه تسيير الحاج فسيرهم عشر سنين وتوفي في هذه السنة‏.‏

محمد بن الطيب بن محمد أبو بكر الباقلاني سمع الحديث من أبي بكر بن مالك القطيعي وأبي محمد بن ماسي وأبي أحمد النيسابوري إلا أنه كان متكلمًا على مذهب الأشعري‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي الحافظ أخبرنا أبو القاسم علي بن الحسن بن أبي عثمان وغيره أن عضد الدولة كان قد بعث القاضي أبا بكر الباقلاني في رسالة إلى ملك الروم فلما ورد مدينته عرف الملك خبره وبين له محله في العلم فأفكر الملك في أمره وعلم أنه لا يفكر له إذا دخل عليه كما جرى رسم الرعية أن يقبل الأرض بين يدي الملوك ثم نتجت له الفكرة أن يضع سريره الذي يجلس عليه وراء باب لطيف لا يمكن أحد أن يدخل منه إلا راكعًا ليدخل القاضي منه على تلك الحال عوضًا من تكفيره بين يديه فلما وضع سريره في ذلك الموضع أمر بإدخال القاضي من الباب فسار حتى وصل إلى المكان فلما رآه تفكر فيه ثم فطن بالقصة فأدار ظهره وحنى رأسه ودخل الباب وهو يمشي إلى خلفه وقد استقبل الملك بدبره حتى صار بين يديه ثم رفع رأسه ونصب ظهره وأدار وجهه حينئذ إلى الملك فعجب من فطنته ووقعت له الهيبة في نفسه‏.‏

توفي أبو بكر الباقلاني يوم السبت لسبع بقين من ذي القعدة من هذه السنة ودفن في داره بدرب المجوس من نهر طابق ثم نقل بعد ذلك فدفن في مقبرة باب حرب‏.‏

محمد بن موسى بن محمد أبو بكر الخوارزمي شيخ أهل الرأي وفقيههم سمع الحديث من أبي بكر الشافعي وغيره ودرس الفقه على أبي بكر أحمد بن علي الرازي وانتهى إليه الرياسة في مذهب أبي حنيفة وكان معظمًا عند الملوك وكان من تلامذته الرضي والصيمري‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ سمعت أبا بكر البرقاني يذكر أبا بكر الخوارزمي بالجميل ويثني عليه فسألته عن مذهبه في الأصول فقال‏:‏ سمعته يقول‏:‏ مذهبنا مذهب العجائز ولسنا في الكلام في شيء قال البرقاني‏:‏ وكان له إمام يصلي به حنبلي ووصف لنا البرقاني حسن اعتقاده وجميل طريقته‏.‏

قال ابن ثابت‏:‏ وحدثني القاضي أبو عبد الله الصيمري قال‏:‏ ثم صار إمام أصحاب أبي حنيفة ومدرسهم ومفتيهم شيخنا أبو بكر محمد بن موسى الخوارزمي وما شهد الناس مثله في حسن الفتوى والإصابة فيها وحسن التدريس وقد دعي إلا ولاية الحكم مرارًا فامتنع منه‏.‏

وتوفي ليلة الجمعة الثامن عشر من جمادى الأولى سنة ثلاث وأربعمائة ودفن في منزله بدرب عبدة‏.‏

ورام التركي أبو المذكور الأمير توفي أقام ابنه أبو الفتح مقامه‏.‏

 ثم دخلت سنة أربع وأربعمائة

فمن الحوادث فيها‏:‏ أنه في يوم الخميس غرة ربيع الأول انحدر فخر الملك إلى دار الخلافة فلما صعد من الزبزب تلقاه أبو الحسن علي بن عبد العزيز بن حاجب النعمان وقبل الأرض بين يديه مرارًا وفعل من كان معه من الحجاب وقدم الدار مثل ذك وقدمت له دابة فركبها من المشرعة إلى الموضع الذي نزل فيه عضد الدولة من دار السلام ودخل والحجاب قدامه وأجلس في الرواق الذي دون قبة الخمار وجلس الخليفة في القبة ودعا فخر الملك ووصل الناس بعده على مراتبهم ثم زحموا ودخلوا بأسرهم فامتلأ الموضع وكثر البوش واللغط وامتنع على الحجاب أن يمسكوا الأبواب فقال الخليفة‏:‏ يا فخر الملك امنع من هذا الاختلاط فأخذ دبوسًا ورد كثيرًا من الناس وأخرجهم ووكل النقباء والستريين بباب القبة وقرأ أبو الحسن علي بن عبد العزيز عهد سلطان الدولة بالتقليد له والألقاب فلما فرغ منه أوقع الخليفة علامته فيه وأحضرت الخلع فكانت سبعًا على العادة ومعممة سوداء وسيفًا وتاجًا مرصعًا وسوارين وطوقًا وكان ذلك مصوغ من ذهب وفرسين بمركبين من ذهب ولوائين تولى الخليفة عقدهما بيده ثم أعطاه سيفًا وقال وفي هذه السنة حج بالناس أبو الحسن محمد بن الحسن بن الأقساسي وكذلك في سنة خمس وست‏.‏

 ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

الحسين بن أحمد بن جعفر أبو عبد الله ابن البغدادي سمع الحديث وكان زاهدًا عابدًا‏.‏

أخبرنا أبو منصور القزاز أخبرنا أبو بكر بن ثابت قال‏:‏ سمعت بعض الشيوخ الصالحين يقول‏:‏ كان أبو عبد الله ابن البغدادي لا يزال يخرج إلينا وقد انشق رأسه وانفتحت جبهته فقيل له‏:‏ كيف ذلك قال‏:‏ كان لا ينام إلا عن غلبة ولم يكن يخلو أن يكون بين يديه محبرة أو قدح أو شيء من الأشياء موضوعًا فإذا غلبه النوم سقط على ما يكون بين يديه فيؤثر في جبهته أثرًا وكان لا يدخل الحمام ولا يحلق رأسه لكن يقص شعره إذا طال بالجلم وكان يغسل ثيابه بالماء حسب من غير صابون وكان يأكل خبز الشعير فقيل له في ذلك فقال‏:‏ الشعير والحنطة عندي سواء توفي في شعبان هذه السنة ودفن في مقبرة باب حرب‏.‏

أبو عبد الله الضرير المقرئ المجاهدي‏.‏

بغدادي سكن دمشق كان يذكر أن ابن مجاهد لقنه القرآن‏:‏ وهو آخر من مات من أصحاب ابن مجاهد وكان قد جاوز المائة‏.‏

توفي في جمادى الأولى من هذه السنة ودفن في مقابر الفراديس‏.‏

علي بن سعيد الاصطخري أحد شيوخ المعتزلة صنف للقادر بالله الرد على الباطنية وأجرى عليه جراية سنية فلما توفي نقل جرايته إلى ابنته وكان ينزل درب رياح وكانت وفاته في هذه السنة عن نيف وثمانين سنة‏.‏

 ثم دخلت سنة خمس وأربعمائة

فمن الحوادث فيها‏:‏ أنه ورد الكتاب في يوم الثلاثاء الخامس من المحرم من الموقف بمكة بسلامة الناس وتمام الحج على يدي رجلين من بني خفاجة فخلع عليهما فطيف بهما البلد فبينما هما كذلك حضر رجل ذكر أن أباه ورد من مكة بهذا الكتاب وأن هذين البدويين اعترضاه في طريقه وقتلاه وأخذا الكتاب منه وورد به فتقدم إلى فخر الملك بالقبض عليهما ومعاقبتهما وحبسهما وأطلق لولد المقتول ضلة‏.‏

وفي جمادى الآخرة‏:‏ ورد الخبر بأن الحاكم صاحب مصر حظر على النساء الخروج من منازلهن والإطلاع من سطوحهن ودخول الحمامات ومنع الأساكفة من عمل الخفاف لهن وقتل عدة نسوة خالفن أمره في ذلك وكان الحاكم قد لهج بالركوب بالليل يطوف الأسواق ورتب في كل درب أصحاب أخبار يطالعونه بما يعرفونه ورتبوا لهم عجائز يدخلن الدور ويرفعن إليهم أخبار النساء وأن فلانًا يحب فلانة وفلانة تحب فلانًا وأن تلك تجتمع مع صديقها وهذا مع صاحبته فكان أصحاب الأخبار يعرفون إليه ذلك فينفذ من يقبض على المرأة التي سمع عنها مثل ذلك فإذا اجتمع عنده جماعة منهن أمر بتغريقهن فافتضح الناس وضجوا من ذلك‏.‏

فأمر برفعه والنداء بأنه متى خرجت المرأة من منزلها أباحت دمها ورأى بعد النداء عجائز ظاهرات فغرقهن فكانت المرأة إذا ماتت كتب وليها رقعة إلى قاضي القضاة يلتمس غاسلة تغسلها فتوقع إلى صاحب المعونة إذا صح عندك وفاة المرأة المذكورة أمرت رجلين من ثقاتك أن يحملوا الغاسلة تغسلها ثم تعاد إلى منزلها ثم هم بتغيير هذه السنة فاتفق أن مر قاضي القضاة مالك بن سعيد الفارقي ببعض المحال فنادته امرأة من روزنة لها وأقسمت عليه بالحاكم وآبائه أن يقف لها فوقف فبكت بكاء شديدًا وقالت‏:‏ لي أخ لا أملك غيره وعرفت أنه في آخر الرمق وأنا أقسم عليك ألا أمرت بحملي إليه لأشاهده قبل أن يقضي نحبه فرحمها ورق لها وأمر رجلين من أصحابه أن يحملاها إلى الموضع الذي تدلهما عليه فأغلقت باب دارها وتركت المفتاح عند جارة لها وقالت‏:‏ سلميه إلى زوجي‏.‏

ومضت إلى باب فدقته فدخلت وقالت للرجلين‏:‏ انصرفا وكانت الدار لرجل يهواها وتهواه فلما رآها سر بها فأخبرته بالحيلة التي نمت بها فلما انصرف زوجها آخر النهار وجد بابه مغلقًا فسأل الجيران فأخبروه بالحال وبما جرى لها مع قاضي القضاة فدخل إلى بيته فبات في أقبح ليلة ثم باكر في غذ دار قاضي القضاة فأعلن بالاستغاثة فأحضر فقال‏:‏ أنا زوج المرأة التي فعلت أمس في بابها ما فعلته وما لها أخ وما أفارقك حتى تردها إلي‏.‏

فعظم على قاضي القضاة ما سمعه وخاف الحاكم وسطوته إن لم يصدقه فركب في الحال واستصحب الرجل ودخل على الحاكم وهو مرعوب فسأله عن قصته فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين لا بد بعفوك مما تم علي أمس قال‏:‏ وما هو فشرح له الحال فأمر بإحضار الرجل فأدخل عليه فأخبره بالحال فأمر قاضي القضاة أن يركب ويصطحب الرجلين الذي أنفذ بهما مع المرأة حتى يرشداه إلى الدار ليشاهد ما هو عليه ويقبض على القوم ويحملهم ففعل فوجد المرأة والرجل نائمين في إزار واحد على سكر فحملا إلى الحاكم فسأل المرأة عن الحال فأحالت على الشيطان وما حسنه لها وسأل الرجل فقال‏:‏ هذه امرأة هجمت علي وزعمت أنها خالية من زوج وأني لو لم أتزوجها سعت بي إليك لتقتلني فاستحللتها بموافقة جرت بيني وبينها فتقدم الحاكم أن تلف المرأة في بارية وتحرق وأن يضرب الرجل ألف سوط وعاد الحاكم يتشدد على النساء ويمنعهن من الظهور إلى أن قتل‏.‏

وفي يوم الاثنين لليلة بقيت من رجب‏:‏ ورد أبو الحسن أحمد بن أبي الشوارب وقلد قضاء القضاة من الحضرة وذلك أنه لما توفي أبو محمد بن الأكفاني سمى فخر الملك لذلك جماعة وأنفذ ثبتًا بأسمائهم إلى حضرة الخليفة ليكون الاختيار إليه في التعيين على من يعين عليه فوقع الاختيار على أبي الحسن ابن أبي الشوارب فولي‏.‏

وفي هذه السنة قلد علي بن مزيد أعمال بني دبيس بالجزيرة الأسدية وخلع فخر الملك أبو غالب على هلال بن بدر وأعاده إلى ولايته‏.‏

وفيها‏:‏ عمر فخر الملك مسجد الشرقية ونصب عليه شبابيك من حديد وجرت النفقة على يدي أبي الحسن علي بن المنذر المحتسب‏.‏

بكر بن شاذان بن بكر أبو القاسم المقرئ الواعظ ولد سنة اثنتين وعشرين وثلثمائة وسمع جعفر الخلدي وأبا بكر الشافعي وقرأ القرآن على جماعة روى عنه الأزهري والخلال وكان ثقة أمينًا صالحًا‏.‏

أخبرنا أبو منصور القزاز أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ حدثني الحسن بن غالب المقرئ أن بكر بن شاذان وأبا الفضل التميمي جرى بينهما كلام فبدر من أبي الفضل كلمة ثقلت على بكر وانصرفا ثم ندم التميمي فقصد أبا بكر بن يوسف فقال له‏:‏ قد كلمت بكرًا بشيء جفا عليه وندمت على ذلك وأريد أن تجمع بيني وبينه فقال ابن يوسف‏:‏ سوف يخرج لصلاة العصر فخرج بكر وجاء إلى ابن يوسف والتميمي عنده فقال له التميمي‏:‏ أسألك أن تجعلني في حل فقال‏:‏ سبحان الله ما فارقتك حتى أحللتك وانصرف فقال التميمي‏:‏ قال لي والدي‏:‏ يا عبدالواحد احذر أن تخاصم من إذا نمت كان منتبهًا قال ابن غالب وانصرف التميمي‏.‏

وكان لبكر ورد من الليل لا يخل به‏.‏

توفي في شوال هذه السنة وله نيف وثمانون سنة ولم تفته جمعة قط غير الجمعة التي مات في غدها لأنه مات في غداة يوم السبت ودفن في مقبرة أحمد‏.‏

أبو النجم الكردي من أهل الجبل رتبه عضد الدولة أبو شجاع بعد موت حسنويه فكانت له الولاية على الجبل وهمذان والدينور وبروجرد ونهاوند وأسداباذ وغير ذلك وقامت هيبته بالشجاعة والسياسة والعدل وكثرة الصدقة وكناه القادر أبا النجم ولقبه ناصر الدولة وعقد له لواء وأنفذه إليه وكانت أعماله آمنة فإذا وقف حمل في البرية تركه صاحبه ومضى فجاء بما يحمله عليه ولما عاث قومه في البلاد عمل لهم دعوة وقدم فيها أنواع الطبائخ ولم يقدم خبزًا فجلسوا ينتظرون الخبز كلوا قالوا‏:‏ أين الخبز قال‏:‏ فإذا كنتم تعلمون أنه لا بد لكم منه فلم أفسدتم الحرث لئن يعترض أحدكم بصاحب زرع لأقابلنه بسفك دمه‏.‏

واجتاز يومًا برجل محتطب وقد حمل الحطب على ظهره وهو يبكي فقال له‏:‏ ما لك قال‏:‏ إني ما استطعت البارحة طعامًا وكان معي رغيفان أريد أن أتغذى بهما وأبيع الحطب وأتقوت بثمنه أنا وعيالي فاجتازني أحد الفرسان فأخذ الرغيفين فقال‏:‏ هل تعرفه فقال‏:‏ بوجهه فجاء به إلى مضيق فوقف معه حتى اجتاز العسكر فمر صاحبه فقال‏:‏ هذا فأمر بدر أن ينزل عن فرسه وألزمه حمل الحطب على ظهره في البلد وبيعه وتسليم ثمنه إلى صاحبه جزاء لما فعل فرام الرجل أن يفتدي نفسه بمال حتى بلغ بوزن الحطب دراهم فلم يقبل منه حتى فعل ما أمره به فقامت الهيبة في النفوس ولم يقدم بعدها أحد من أصحابه على شيء وكانت جراياته وصدقاته متصلة على الفقهاء والأشراف والقضاة والشهود والأيتام و الضعفاء وكان يصرف كل سنة ألف دينار إلى عشرين رجلًا يحجون عن والدته وعن عضد الدولة لأنه كان السبب في ملكه وكان يتصدق في كل جمعة بعشرة آلاف درهم على الضعفاء والأرامل ويصرف في كل سنة ثلاثة آلاف دينار إلى الأساكفة والحذائين بين همذان وبغداد ليقيموا للمنقطعين من الحاج الأحذية وكان يصرف إلى تكفين الموتى كل شهر عشرين ألف درهم ويعمر القناطر واستحدث في أعماله ثلاثة آلاف مسجد وخان للغرباء ولم يمر بماء جار إلا بنى عنده قرية وكان ينفذ كل سنة في الصدقات على أهل الحرمين وخفر الطريق ومصالحها مائة ألف دينار وكان ينفق على عمارة المصانع وتنقية الآبار وجمع العلوفة في الطريق وكان يعطي سكان المنازل رسومًا لقيامها ويحمل إلى الحرمين والكوفة وبغداد ما يفرق على الأشراف والفقهاء والقراء والفقراء وأهل البيوتات فلما توفي انقطع ذلك وأثر في أحوال أهله ووقف أمر الحج وكان يكثر من الصلاة والتسبيح ولا يقطع بره عن أحد لذنب فإن مات أعاد ذلك على ولده وكان يرتفع إلى خزانته في كلسنة بعد المؤن والصدقات عشرون ألف درهم لأنه كان يعمر الأماكن ويعدل وكان له من الدواب المرتبطة ألف وسبعمائة وفي الجشير عشرون ألف رأس وكان بدر قد حاصر حسن بن مسعود الكردي فضجر أصحابه من طول الحصار فجاءه رجل كردي فقال له‏:‏ أنهم قد عزموا على قتلك فقال‏:‏ من هؤلاء الكلاب حتى يقدموا على ذلك فعاوده فقال‏:‏ لا أريد نصحك فهجموا عليه فقتلوه ونهبوا معسكره‏.‏

توفي هذه السنة وكانت مدة إمارته اثنتين وثلاثين سنة وحمل إلى مشهد أمير المؤمنين علي عليه السلام فدفن به ووجد في قلعته أربعة عشرة ألف بدرة عينًا وأربعين ألف بدرة ورقًا‏.‏

الحسن بن الحسين بن حكمان أبو علي الهمذاني أحد فقهاء الشافعية نزل بغداد بقرب دار القطن في نهر طابق وحدث عن الخلدي والنقاش وغيرهما من البغداديين والبصريين وكان في شبيبته قد عني بالحديث وقال‏:‏ كتبت بالبصرة عن أربعمائة ونيف وسبعين شيخًا ثم طلب الفقه بعد فدرس على أبي حامد المروروذي وروى عنه الأزهري وقال‏:‏ كان ضعيفًا ليس بشيء في الحديث توفي في جمادى الأولى من هذه السنة ودفن في منزله‏.‏

الحسن بن عثمان بن بكران بن جابر أبو محمد العطار ولد في سنة ثلاثين وثلثمائة‏.‏

سمع إسماعيل الصفار وأبا عمرو بن السماك والنجاد والنقاش روى عنه الخلال والبرقاني والصيمري وكان ثقة صالحًا دينًا توفي في شعبان هذه السنة ودفن في مقبرة باب حرب‏.‏

عبد الله بن محمد بن عبد الله بن إبراهيم أبو محمد الأسدي ابن الأكفاني ولد سنة عشرة وثلثمائة وحدث عن القاضي المحاملي ومحمد بن مخلد وابن عقدة وغيرهم روى عنه البرقاني والتنوخي‏.‏

أخبرنا أبو منصور القزاز أخبرنا أبو بكر بن ثابت قال‏:‏ قال لي التنوخي‏:‏ قال لي أبو إسحاق الطبري‏:‏ من قال أن أحدًا أنفق على العلم مائة ألف دينار غير أبي محمد ابن الأكفاني فقد كذب وقال لي التنوخي‏:‏ ولي ابن الأكفاني قضاء مدينة المنصور ثم ولي قضاء باب الطاق وضم إليه سوق الثلاثاء ثم جمع له قضاء جميع بغداد في سنة ست وتسعين وثلثمائة‏.‏

توفي أبو محمد الأكفاني في صفر هذه السنة عن خمس وثمانين سنة ولي منها القضاء أربعين سنة نيابة ورياسة ودفن في داره بنهر البزازين‏.‏

عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن عبد الله بن إدريس ويعرف بالإدريسي كان أبوه من استراباذ وسكن هو سمرقند وكان أحد من رحل في طلب العلم وعني بالحديث وسمع من الاصم وصنف تاريخ سمرقند وعرضه على الدارقطني فقال‏:‏ هذا كتاب حسن وحدث ببغداد فسمع منه الأزهري والتنوخي وكان ثقة وتوفي في هذه السنة‏.‏

عبد السلام بن الحسين بن محمد بن أحمد البصري اللغوي ولد سنة تسع وعشرين وثلثمائة‏.‏

سمع من جماعة وحدث ببغداد وكان صدوقًا عالمًا أديبًا وقارئًا للقرآن عارفًا بالقراءات وكان يتولى النظر ببغداد في دار الكتب وكان سمحًا جوادًا وربما جاءه السائل وليس معه شيء يعطيه فيدفع إليه بعض كتبه التي لها قيمة كثيرة وتوفي في محرم هذه السنة ودفن بالشونيزية عند قبر أبي علي الفارسي‏.‏

عبد الغفار بن عبد الرحمن أبو بكر الدينوري الفقيه كان آخر من أفتى على مذهب سفيان الثوري ببغداد في جامع المنصور وكان إليه النظر في الجامع والقيام بأمره‏.‏

عبد العزيز بن عمر بن محمد ابن نباتة أبو نصر السعدي الشاعر له شعر موصوف‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ أنشدنا علي بن محمد بن الحسن الحربي قال‏:‏ أنشدنا أبو نصر بن نباتة لنفسه‏:‏ وإذا عجزت عن العدو فداره وامزح له إن المزاح وفاق فالنار بالماء الذي هو ضده تعطي النضاج وطبعها الإحراق توفي أبو نصر في شوال هذه السنة‏.‏

محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نعيم بن الحكم أبو عبد الله الحاكم الضبي ابن البيع من أهل نيسابور ولد في سنة إحدى وعشرين وثلثمائة وأول سماعه في سنة ثلاثين وكان من أهل الفضل والعلم و العلم للحديث وله في علوم الحديث مصنفات قدم بغداد وحدث عن أبي عمرو بن السماك والنجاد ودعلج وغيرهم ثم عاد فوردها وقد علت سنه فحدث بها عن أبي العباس الأصم وغيره‏.‏

روى عنه الدارقطني وابن أبي الفوارس وغيرهما وكان ثقة‏.‏

إلا أنه قد أخبرنا أبو منصور القزاز أخبرنا أبو بكر أحمد بن ثابت قال‏:‏ كان ابن البيع يميل إلى التشيع فحدثني أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الأرموي قال‏:‏ جمع الحاكم أبو عبد الله أحاديث زعم أنها صحاح على شرط البخاري ومسلم يلزمهما إخراجها في صحيحهما سمنها‏:‏ حديث الطائر ومن كنت مولاه فعلي مولاه فأنكر عليه أصحاب الحديث ولم يلتفتوا فيه إلى قوله ولا صوبوه في فعله‏.‏

أخبرنا محمد بن ناصر أخبرنا محمد بن طاهر المقدسي الحافظ قال‏:‏ قال أبو عبد الله الحاكم‏:‏ حديث الطائر لم يخرج فـي الصحيح وهـو صحيح‏.‏

قال ابن طاهر‏:‏ حديث موضوع إنما جاء من سقاط أهل الكوفة عن المشاهير والمجاهيل عن أنس وغيره قال ابن طاهر‏:‏ فلا يخلو الحاكم من أمرين‏:‏ أما أنه يجهل الصحيح فلا يعتمد على ما يقوله وأما يعلمه ثم يقول خلافه فيكون معاندًا كذابًا‏.‏

أنبأنا محمد بن عبد الباقي عن أبي محمد التميمي عن أبي عبد الرحمن السلمي قال‏:‏ دخلت على الحاكم أبي عبد الله وهو في داره لا يمكنه الخروج إلى المسجد من جهة أصحاب أبي عبد الله بن كرام وذلك أنهم كسروا منبره ومنعوه من الخروج فقلت له‏:‏ لو خرجت وأمليت في فضائل هذا الرجل يعني معاوية لاسترحت من هذه المحنة فقال‏:‏ لا يجيء من قلبي لا يجيء من توفي الحاكم بنيسابور في صفر هذه السنة‏.‏

هبة الله بن عيسى‏:‏ كاتب مهذب الدولة علي بن نصر البطائحي كان وزيره ومدبر أمره وكان من أشد الكتاب ومترسليهم وكان يفضل على الأدباء والعلماء ومن شعره‏.‏

اضنن بليلى وهي غير سخية ** تبخل ليلى بالهوى وأجود

وأعذل في ليلى ولست بمنته ** وأعلم أني مخطئ وأعود

وقد ذكرنا خدمته للقادر وملاطفته له حين أقام عندهم بالبطيحة وتحديث القادر له بالمنام الذي رآه توفي في ربيع الأول من هذه السنة‏.‏

يوسف بن محمد بن كج أبو القاسم‏:‏ كان من شيوخ الشافعيين وكانت له نعمة عظيمة وولي القضاء بالدينور وأعمال بدر بن حسنويه فلما تغيرت البلاد بهلاك بدر بن حسنويه قتله قوم من العيارين ليلة سبع وعشرين من رمضان هذه السنة‏.‏

 ثم دخلت ست وأربعمائة

فمن الحوادث فيها‏:‏ أنه وقع في يوم الثلاثاء غرة المحرم فتنة بين العوام كان سببها أن أهل الكرخ جازوا بباب الشعير فتولع بهم أهله فاقتتلوا وتعدى القتال إلى القلائين فأنفذ فخر الملك الشريف المرتضى وغيره فأنكروا على أهل الكرخ ما يجري من سفهائهم واستقر الأمر على كفهم وشرط عليهم أن لا يعلقوا في عاشوراء مسوحًا ولا يقيموا نوحًا‏.‏

وفي هذا الشهر‏:‏ ورد الخبر بوقوع الوباء في البصرة حتى عجز الحفارون عن حفر القبور وأنه أظلت البلد سحابة في حزيران فأمطرت مطرًا كثيرًا‏.‏

وفي يوم السبت الثالث من صفر قلد الشريف المرتضى أبو القاسم الموسوي الحج والمظالم ونقابة نقباء الطالبيين وجميع ما كان لأخيه الرضي وجمع الناس لقراءة عهده في الدارالملكية وحضر فخر الملك والأشراف والقضاء والفقهاء وكان في العهد هذا ما عاهد عبد الله أبو العباس أحمد الإمام القادر بالله أمير المؤمنين إلى علي بن موسى العلوي حين قربته إليه الأنساب الزكية وقدمته لديه الأسباب القوية واستظل معه بأغصان الدوحة الكريمة واختص عنده بوسائل الحرمة الوكيدة فقلد الحج والنقابة وأمره بتقوى الله وذكر كلامًا فيه طول من إيصائه بالخير واللطف فيما استرعي‏.‏

وفي آخر صفر ورد خبر الحاج بعد تأخره بهلاك الكثير منهم وكانوا عشرين ألفًا فسلم ستة آلاف وإن الأمر اشتد بهم حتى شربوا أبوال الجمال وأكلوا لحومها‏.‏

وفي ذي القعدة ورد الحاج الخراسانية ووقف أمر الحاج لضيق الوقت وأنه لم يرتب مع العرب ما يقع إلى مثله سكون‏.‏

وفي هذه السنة‏:‏ ورد الخبر أن محمودًا غزا الهند وغره أدلاؤه وأضلوه الطريق فحصل في مياه فاضت من البحر فغرق كثير ممن كان معه وخاض الماء بنفسه أيامًا ثم تخلص وعاد إلى خراسان‏.‏

 ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

أحمد بن محمد بن أحمد أبو حامد الأسفرائيني

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ قدم أبو حامد الاسفرائيني بغداد وهو حدث فدرس فقه الشافعي على أبي الحسن ابن المرزبان ثم على أبي القاسم الداركي فأقام ببغداد مشتغلًا بالعلم حتى انتهت إليه الرياسة وعظم جاهه عند الملوك والعوام وحدث عن أبي بكر الإسماعيلي وغيره حدثنا عنه الخلال والأزجي وكان ثقة وقد رأيته غير مرة وحضرت تدريسه في مسجد عبد الله ابن المبارك وهو المسجد الذي في صدر قطيعة الربيع وسمعت من يذكر أنه كان يحضر تدريسه سبعمائة متفقه وكان الناس يقولون‏:‏ لو رآه الشافعي لفرح به‏.‏

قال المصنف‏:‏ وقد ذكر أنه كان يقصده الوزير فخر الملك أبو غالب وغيره من الأكابر وكان يحمل إليه من البلاد الزكوات والصدقات فيفرقها وكان يجري على فقراء أصحابه في كل شهر مائة وستين دينارًا وأعطى الحاج في بعض السنين أربعة عشر ألف دينار‏.‏

أخبرنا القزاز أخبرنا أحمد بن علي حدثنا محمد بن روق الأسدي قال‏:‏ سمعت أبا الحسن ابن القدوري يقول‏:‏ ما رأيت في الشافعيين أفقه من أبي حامد‏.‏

أخبرنا القزاز أخبرنا أحمد قال‏:‏ حدثني إبراهيم بن علي الشيرازي قال‏:‏ سألت القاضي أبا عبد الله الصيمري‏:‏ من أنظر من رأيت من الفقهاء فقال أبو حامد الإسفرائيني‏.‏

أخبرنا القزاز أخبرنا أحمد قال‏:‏ مات أبو حامد الاسفرائيني ليلة السبت لإحدى عشرة ليلة بقيت من شوال سنة ست وأربعمائة ودفن من الغد وصليت على جنازته في الصحراء وكان إمام جنازته في الصلاة أبو عبد الله بن المهتدي خطيب جامع المنصور وكان يومًا مشهودًا بكثرة الناس وعظم الحزن عليه وشدة البكاء ودفن في داره إلى أن نقل منها ودفن بباب حرب سنة ست عشرة وأربعمائة قال في المصنف‏:‏ وبلغ من العمر إحدى وستين سنة وشهورًا‏.‏

عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن علي أبو أحمد بن أبي مسلم الفرضي المقرئ ابن مهران سمع القاضي المحاملي ويوسف بن يعقوب وحضر مجلس أبي بكر ابن الأنباري وكان إمامًا ثقة ورعًا‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ حدثني أبو القاسم منصور بن عمر الفقيه الكرخي قال‏:‏ لم أر في الشيوخ من تعلم العلم لله خالصًا لا يشوبه شيء من الدنيا غير أبي أحمد الفرضي فإنه كان يكره أدنى سبب حتى المديح لأهل العلم وكان قد اجتمعت فيه أدوات الرياسة من قراءات وإسناد وحالة متسعة من الدنيا وكان أورع الخلق وكان يبتدئ كل يوم بتدريس القرآن ويحضر عنده الشيخ الكبير وذو الهيئة فتقدم عليه الحديث لأجل سبقه فإذا فرغ من إقراء القرآن تولى قراءة الحديث علينا بنفسه فلا يزال كذلك حتى يستنفذ قوته ويبلغ النهاية في جهده في القراءة ثم يضع الكتاب من يده فحينئذ يقطع المجلس وينصرف وكنت أجالسه وأطيل القعود معه وهو على حالة واحدة لا يتحرك ولا يبعث بشيء من أعضائه ولا يغير شيئًا من هيئته حتى أفارقه قال‏:‏ وبلغني أنه كان يجلس مع أهله على هذا الوصف ولم أر في الشيوخ مثله‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن أحمد أخبرنا أحمد بن علي قال‏:‏ حدثني عيسى بن أحمد الهمذاني قال‏:‏ سمعت علي بن عبد الواحد بن مهدي يقول‏:‏ اختلفت إلى أبي أحمد الفرضي ثلاث عشرة سنة لم أره ضحك فيها غير أنه قرأ علينا يومًا كتاب الإنبساط فأراد أن يضحك فغطى فمه وكان إذا جاء إلى أبي حامد الاسفرائيني قام أبو حامد من مجلسه ومشى إلى باب مسجده حافيًا مستقبلًا له‏.‏

قال‏:‏ وكتب أبو حامد كتابًا إلى أبي أحمد يشفع له أن يأخذ عليه القرآن فظن أبو أحمد أنها مسألة قد استفتي فيها فلما قرأ الكتاب غضب ورماه عن يده وقال‏:‏ لا أقرئ القرآن بشفاعة أو كما قال‏.‏

توفي أبو أحمد في شوال هذه السنة ودفن في مقبرة جامع المدينة وقد بلغ ثنتين وثمانين سنة‏.‏

عبد الملك بن أبي عثمان واسم أبي عثمان محمد بن إبراهيم ويكنى عبد الملك أبا سعيد الواعظ من أهل نيسابور‏.‏

حدث عن أبي عمرو بن مطر وإسماعيل بن نجيد‏.‏

روى عنه الأزهري محمد بن الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أبو الحسن العلوي ولد سنة تسع وخمسين وثلثمائة ولقبه بهاء الدولة بالرضي ذي الحسبين ولقب أخاه بالمرتضى ذي المجدين وكان الرضي نقيب الطالبيين ببغداد حفظ القرآن في مدة يسيرة بعد أن جاوز ثلاثين سنة وعرف من الفقه والفرائض طرفًا قويًا وكان عالمًا فاضلًا وشاعرًا مترسلًا عفيفًا عالي الهمة متدينًا اشترى في بعض الأيام جزازًا من امرأة بخمسة دراهم فوجد فيه جزءًا بخط أبي عبد الله بن مقلة فقال للدلال‏:‏ أحضر المرأة فأحضرها فقال‏:‏ قد وجدت في الجزاز جزءًا بخط ابن مقلة فإن أردت الجزء فخذيه وإن أردت ثمنه فهذه خمسة دراهم فأخذتها ودعت له وانصرفت وكان سخيًا جوادًا‏.‏

أخبرنا إسماعيل بن أحمد عن أبي غالب بن بشران قال‏:‏ حدثني الخالع قال‏:‏ مدحت الرضي بقصيدة فجاءني غلامه بتسعة وأربعين درهمًا فقلت‏:‏ لا شك أن الغلام قد خانني فلما كان بعد أيام اجتزت بسوق العروس فرأيت رجلًا يقول لآخر‏:‏ أتشتري هذا الصحن فإنه يساوي خمسة دنانير ولقد أخرج من دار الشريف الرضي‏.‏

فبيع بتسعة وأربعين درهمًا فعلمت أني أخبرنا القزاز أخبرنا الخطيب قال‏:‏ سمعت أبا عبد الله محمد بن عبد الله الكاتب بحضرة أبي الحسين بن محفوظ وكان أحد الرؤساء يقول‏:‏ سمعت جماعة من أهل العلم بالأدب يقولون‏:‏ إن الرضي أشعر قريش فقال ابن محفوظ‏:‏ هذا صحيح وقد كان في قريش من يجيد القول إلا أنه شعره قليل فأما مجيد مكثر فليس إلا الرضي‏.‏أخبرنا القزاز أخبرنا أبو بكر الخطيب قال‏:‏ أنشدني القاضي أبو العلاء الواسطي قال‏:‏ أنشدنا الشريف الرضي لنفسه‏:‏

اشتر العز بما شئت فما العز بغالي بالقصار الصفر إن شئت أو السمر الطوال ليس بالمغبون عقلًا من شرى عزًا بمال إنما يدخر الما ل لحاجات الرجال والغني من جعل الأمو ال أثمان المعالي وله‏:‏ في الناس غير مطهر والحر معدوم النظير والغسل يخبث بعضه ما كل ماء للطهور ولماء كفك في المحول طلاقة العام المطير آثار شكرك في فمي وسليم ودك في ضميري وله‏:‏ # إلا أتى حسرة الحاسدين وما حسرة العجم إلا العرب فلا لبسوا غير هذا الشعار ولا رزقوا غير هذا اللقب وله‏:‏ ذنبي إلى البهم الكودان أنني الطرف المطهم والأغر الأقرح يولينني خزر العيون لأنني غلست في طلب العلا وتصبحوا وجذبت بالطول الذي لم يجذبوا ومنحت بالغرب الذي لم يمنحوا لو لم يكن لي في العيون مهابة لم تطعن الأعداء في ويقدحوا نظر وابعين عداوة لو أنها عين الهوى لاستحسنوا ما استقبحوا وله‏:‏ يا طائر البان غريدًا على فنن ما هاج نوحك لي يا طائر البان هل أنت مبلغ من هام الفؤاد به أن الطليق يؤدي حاجة العاني لما قدحت بنار الوجد في كبدي ولا بللت بماء الدمع أجفاني وأشعاره كثيرة مستحسنة وإنما ذكرت منها هذا‏.‏

وجرت للرضي قصة مع القادر بالله في أبيات رفع إليه أنه قالها وهي هذه‏:‏ كم مقامي على الهون وعندي مقول قاطع وأنف حمي وإباء محلق بي عن الضيم كما راع طائر وحشي أي عذر له إلى المجد ان ذ ل غلام في غمده المشرفي ألبس الذل في ديار الأعادي وبمصر الخليفة العلوي من أبوه أبي ومولاه مولا ي إذا ضافتي البعيد القصي لف عرقي بعرقه سيد النا س جميعًا محمد وعلي إن خوفي في ذلك الربع أمن وأوامي بذلك الورد ري قد يذل العزيز ما لم يشمر لانطلاق وقد يضام الأبي كالذي يقبس الظلام وقد أقم ر من خلفه الهلال المضي ولما كتب أصحاب الأخبار بهذه إلى القادر غاظه أمرها واستدعى القاضي أبا بكر محمد في الرسالة‏:‏ ‏"‏ قد علمت موضعك منا ومنزلتك عندنا وما لا نزال من الاعتداد بك والثقة بصدق الموالاة منك وما تقدم لك في الدولة العباسية من خدم سابقة ومواقف محمودة وليس يجوز أن تكون على خليفة نرضاها ويكون والدك على ما يضادها وقد بلغنا أنه قال شعرًا هو كذا فيا ليت شعرنا على أي مقام ذل أقام وما الذي دعاه إلى هذا المقال وهو ناظر في النقابة والحج فيما في أجل الأعمال وأقصاها علوًا في المنزلة وعساه لو كان بمصر لما خرج من جملة الرعية وما رأينا على بلوغ الامتعاض منا مبلغه أن تخرج بهذا الولد عن شكواه إليك وإصلاحه على يديك ‏"‏‏.‏

فقال الشريف الطاهر‏:‏ ‏"‏ والله ما عرفت هذا ولا أنا وأولادي إلا خدم الحضرة المقدسة المعترفون بالحق لها والنعمة منها وكان في حكم التفضل أن يهذب هذا الولد بإنفاذ من يحمله إلى الدار العزيزة ثم يتقدم في تأديبه بما يفعل بأهل الغرة والحداثة ‏"‏‏.‏

فقال له القاضي أبو بكر‏:‏ الشريف يفعلفي ذلك ما يراه الحضرة المقدسة فيزول ما خامرها به ثم استدعى الشريف ابنيه المرتضى والرضي وعاتب الرضي العتاب المستوفي‏.‏

فقال له‏:‏ ما قلت هذه الأبيات ولا أعرفها‏.‏

فقال له‏:‏ إذا كنت تنكرها فاكتب خطك للخليفة بمثل ما كنت كتبت به في أمر صاحب مصر واذكره بما أذكره به من الادعاء في نسبه فقال‏:‏ لا أفعل فقال له‏:‏ كأنك تكذبني بالامتناع عن مثل قولي قال‏:‏ ما أكذبك ولكني أخاف الديلم ومن للرجل من الدعاة بهذه البلاد فقال‏:‏ يال العجب تخاف من هو منك على بلاد بعيدة وتراقبه وتسخط من أنت بمرأى منه ومسمع وهو قادر عليك وعلى أهلك وتردد القول بينهما حتى غلط الرضي في الجواب فصاح الطاهر أبو محمد وقام الرضي وحلف الطاهر أن لا يقيم معه في بلد وآل الأمر إلى إنفاذ القاضي أبي بكر وأبي حامد الاسفرائيني وأخذا اليمين على الرضي أنه لم يقل الشعر المنسوب إليه ولا يعرفه واندرجت القصة على هذا‏.‏

توفي الرضي يوم الأحد لست خلون من محرم هذه السنة وحضر الوزير فخر الملك وجميع الأشراف والقضاة والشهود والأعيان ودفن في داره بمسجد الأنباريين ومضى أخوه المرتضى إلى المشهد بمقابر قريش لأنه لم يستطع أن ينظر إلى تابوته ودفنه وصلى عليه الوزير فخر الملك في الدار مع جماعة أمهم أبو عبد الله بن المهلوس العلوي ثم دخل الناس أفواجًا فصلوا عليه وركب فخر الملك في آخر النهار فعزى المرتضى وألزمه العود إلى داره ففعل وكان مما رثاه أخوه المرتضى‏:‏ يال الرجال لفجعة جذمت يدي ووددتها ذهبت علي برأسي ما زلت آبي وردها حتى أتت فحسوتها في بعض ما أنا حاسي لا تنكرن من فيض دمعي عبرة فالدمع خير مساعد ومواسي واها لعمرك من قصير طاهر ولرب عمر طال بالأرجاس